ابن عربي
304
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
نادى اللّه موسى بن عمران : يا ابن عمران ، لا تخيب من قصدك ، وأجر من أجارك . قال : بينما موسى عليه السلام في سياحته ، إذا بجارح يطلب حماما ، فلما رآه الحمام نزل على كتفه مستجيرا له ، ونزل الجارح على الكتف الآخر ، فلما همّ به الجارح نزل الحمام على كمه ، فناداه الجارح بلسان فصيح : يا ابن عمران ، إني قاصدك فلا تخيبني ، ولا تحل بيني وبين رزقي . وناداه الحمام : يا ابن عمران ، إني مستجير بك فأجرني . فقال : ما أسرع ما ابتليت به ، ثم مد يده ليقطع قطعة من فخذه للجارح وفاء لهما وحفظا لما عهد إليه فيهما . فقالا : يا ابن عمران ، إنّا رسل ربك إليك ليرى صحة ما عهد إليك . شعر : أيا سامعا ليس السماع بنافع * إذا أنت لم تفعل فما أنت سامع إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا * فما أنت في يوم القيامة صانع وقال آخر : لما غلبت وزاد الشوق في ألمي * وقفت للذكر مغلوبا على قدمي ولو قدرت جعلت العين لي قدما * يا ذا التفضل والآلاء والكرم أشتاق ذكرك والتعظيم يمنعني * والشوق يملأ ألفاظي به وفمي فها أنا بين شوق لا أقوم به * وبين حسرة مغلوب ومحتشم وقال آخر : إن قلت عبدك لم أطق نطقا به * خوفا من الزلّات والعصيان فالعبد يبذل في التقرّب جهده * لا يستطيع تجاوز الإمكان فارحم بفضلك زلّتي وتحيّري * وصل التجاوز منك بالإحسان سمعت محمد بن قاسم ، قال : سمعت عمر بن عبد المجيد ، قال بعض السادة : رأيت رجلا في تيه بني إسرائيل قد لوّحته العبادة ، حتى صار كالشن البالي ، فقلت له : ما الذي بلغ بك هذه الحالة ؟ فنظر إليّ منكرا لسؤالي ، وقال : ما أظنك من جملة الأحبّاء . هذا ثقل الأوزار ، وخوف النار ، والحياء من الملك الستّار . شعر : لما ذكرت عذاب النار أزعجني * ذاك التذاكر عن أهلي وأوطاني فصرت في القفر أرعى الوحش منفردا * كما تراني على وجدي وأحزاني وذا قليل لمثلي بعد جرأته * فما عصى اللّه عبد مثل عصياني نادوا عليّ وقولوا في مجالسكم * هذا المسئ وهذا المذنب الجاني فما ارعويت وما قصّرت من زللي * ولا غسلت بماء الدمع أجفاني لكن ذكرت جوادا ماجدا صمدا * يعفو ويصفح ذا عفو وإحسان